واصف جوهرية

128

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

يحصر علمه مثلا في جملة صغيرة يشبع التلاميذ عن كل ما فيها من معنى وقواعد نحوية ولغوية والصرف ولا يراجع الكتب المعدة والمنتشرة في كل من هذه المواضيع . والجدير بالذكر أنه كان يتخلل درسه النكات النادرة يلقنها للتلميذ وكأنه في ساحة خطر ، وهكذا كان التلميذ يقبل على علم هذا المربي الكبير بكل شوق ولذة ويتفهم ما لا يفهمه من سواه الساعات الطوال . كان يلقن التلميذ الوطنية والرجولية من حيث لا يدري وكان يسخر من المتخنثين يحب الصدق والشرف والأمانة ويتفانى في حب الإنسان . كان دائما ينصحنا في المحافظة على الجسم لأن العقل الصحيح في الجسم الصحيح ثم يطلب منا المواظبة على الرياضة لتقوية الجسم دائما أبدا وكان ينصحنا بغذاء الجسم من اللحوم وخصوصا أكل الدجاج ( مع أنه في النتيجة طلب أكل اللحوم إلى أن قضى نحبه لأمر لم أزل أجهله ) وبالنظر لتسمية هذه المدرسة بالدستورية والوطنية فهو أول من منع الضرب للتلميذ مطلقا أبدا ، ومن نظريته الحكيمة انتشرت هذه الفكرة في المدارس والفضل يرجع إليه وكان رحمه اللّه إذا لاحظ أي شيء يسيء بالتلميذ خصوصا أخلاقيا يجن جنونه ويظهر على وجهه الغضب بصورة تفزع الطالب الذي كان يكن له في قلبه كل احترام وإكبار ويرجع عن خطئه بدون الضرب ، وبذات الوقت يحبه حب الوالد فهو ولا شك غرس في قلوب تلاميذه الخصال الحميدة وكان نعم المعلم والمربي . كان الأستاذ افتيم مشبك وجميل الخالدي يدرسونا الإنكليزية والفرنسية الابتدائية . ثم الحاج شريف الحسيني يعلمنا التركية وإني أذكر بعض الحوادث الطريفة منها أن فوته دعدوش كان زميلي وفي أثناء الدرس يسألني الحاج شريف قائلا : جوهرية : س : دعدوش طربوشن رنكي ندر ؟ ج : دعدوش طربوشن رنكي قرمزي در . أي أن لون طربوش الدعدوش هو أحمر ، فيقول لي أفارم ، وهكذا . وإني سأذكر الحوادث الطريفة في صفحة خاصة في الفصل الثاني من هذا الكتاب من حوادث فكاهات الحاج شريف . إنني استندت الكثير عندما أخذت لأول مرة الدروس الإنكليزية من المعلمة لبيبة وأظن أنها كانت من لبنان أو سوريا فبواسطتها قد نجحت لدرجة بأنني كسبت صفا عاليا وقبلت فيه . أما أديب عبده وهو شقيق السيدة سلطانة عقيلة الأستاذ السكاكيني فكان يعطينا الدروس الحسابية وقد ترك البلاد إلى الديار الأميركية فيما بعد وبقي مع الأسف هناك . وإني أذكر حنا زخريا وكان يعلمنا أيضا عندما لبس البدلة العسكرية التركية ( البدلات ) وذلك بعد الانقلاب العثماني وهو شقيق السيدة فريدة زوجة السيد أنضوني عطا اللّه . أما المسيو جدعون فكان من لبنان يعلمنا الرياضة عن حقيقة علم عسكرية فرنسية لا غبار عليها . وإن المهم في هذه المدرسة فقد قرر الأستاذ السكاكيني بأن يعلم كل من أراد العلم من التلاميذ المسيحيين قراءة القرآن وهكذا لبيت هذه الدعوة بإختياري وتشجيع والدي رحمه اللّه فقد حصلت على المصحف الشريف من سيادة المرحومة الحاجة أم موسى كاظم باشا الحسيني التي أهدتني إياه وكان نسخة أنيقة الطبع في الإستانة بعد ما لقنتني وجوب احترام القرآن والمحافظة على النظافة عند مسه وبهذه الصورة تعلمت القرآن من الأستاذ المخصص المدعو